نهاية الشهر الماضي، وقع حادث أمني كبير في مزارع شبعا اكتنفه الكثير من الغموض.
فجأة دوّت أصوات الانفجارات والقصف المدفعي وحلقت الطائرات الإسرائيلية في أجواء المنطقة، وتم إغلاق الطرقات على طرف الحدود بين لبنان وإسرائيل، وحصل استنفار على مستوى الحكومة وقيادة الجيش، وطلب من سكان 20 بلدة في الجليل أن يدخلوا الملاجئ والمناطق الآمنة في بيوتهم.. وتزامن ذلك مع حالة من البلبلة والالتباس في لبنان، حيث ساد اعتقاد لوهلة أولى أن حزب الله بصدد تنفيذ تهديده بالرد على الهجوم الإسرائيلي الذي قتل أحد قيادييه (علي كامل محسن) في محيط مطار دمشق.
الرواية الإسرائيلية تحدثت عن «إحباط عملية لحزب الله في مزارع شبعا حيث تسللت مجموعة من 4 أشخاص ودخلت مساحة قصيرة عند الخط الأزرق».
وتحدثت هذه الرواية «المربكة والمفككة» بداية عن مقتل أفراد المجموعة، ولاحقا عن فرارهم عائدين الى الاراضي اللبنانية.
أما رواية حزب الله، فإنها نفت حصول أي اشتباك أو إطلاق نار من طرف حزب الله، وركز على إبراز حالة الارتباك والتخبط العسكري والسياسي، وأن الاشتباك كان من طرف واحد والجيش الإسرائيلي «المتوتر والقلق» خاض معركة «وهمية» مع نفسه.
وبين هاتين الروايتين، أثيرت شكوك حسب رواية ثالثة بشأن احتمال أن تكون حدثت عملية استطلاع عادية لمجموعة من حزب الله ظن الإسرائيليون أنها تحضر لعملية عسكرية في المنطقة، ففتحوا النيران عليها.. واحتمال أن الحزب كان فعلا بصدد تنفيذ عملية ولم يكمل فيها بعدما انكشفت المجموعة، فاضطر الى الانسحاب والتنصل.
بعد شهر، تكرر الأمر ووقع حادث مشابه، وهذه المرة خارج نطاق مزارع شبعا.
فقد توتر الوضع على الحدود فجأة بعد اشتباه الجيش الإسرائيلي بما أسماه «عملية تسلل عبر الحدود» قرب منطقة المنارة مقابل «ميس الجبل»، فألقى القنابل المضيئة.
وطلب من سكان المستوطنات البقاء في منازلهم، وعمل على إغلاق المحاور الحدودية مع لبنان.
ووفق الرواية الإسرائيلية، فإن «خلية عسكرية من حزب الله أطلقت النار على قوة إسرائيلية كانت تنصب كمينا قرب الحدود، بعد ورود معلومات أن عناصر حزب الله يخططون للتسلل وتنفيذ عملية ضدها.
ومع أن عملية حزب الله لم توقع إصابات، رد الجيش الإسرائيلي بقصف مدفعي وإطلاق عشرات القنابل المضيئة قرب قرى ميس الجبل وحولا وعيترون وتلال كفرشوبا، وأقدم على قصف مواقع رصد ومراقبة تابعة لحزب الله، وذلك للمرة الأولى من سنوات طويلة.. وسارعت قيادة الجيش الى الاتصال ببنيامين نتنياهو، الذي يمضي عطلته في مدينة صفد القريبة من الحدود مع لبنان، وطلبت منه الانتقال الى قاعدة عسكرية قريبة للتواصل مع وزير الدفاع بيني غانتس ورئيس الأركان أفيف كوخافي، وصدرت تهديدات مباشرة لحزب الله: نتنياهو نصح الحزب بألا يختبر قوة إسرائيل الساحقة، مهددا بتوجيه ضربات أشد في حال تكرار هجماته على المواقع الإسرائيلية.. غانتس هدد أيضا بـ «ضربة عسكرية شديدة في حال تكرار هجمات حزب الله».. في وقت اعتبر محللون عسكريون أن الرد الإسرائيلي الشديد على نيران حزب الله بطاقة حمراء ساطعة للحزب الذي يبدو كمن استوعب الوضع الناشئ.. اعتبر هؤلاء أن الحزب قام بمحاولة فاشلة أخرى من جانبه لشن هجوم، وأن رد إسرائيل سيكون أشد في المرة المقبلة.
لم يصدر أي رد رسمي من جانب حزب الله الذي أعلن أمينه العام السيد حسن نصرالله (مساء أمس في اطلالة يومية له في ليالي عاشوراء) أنه لن يعلق على ما جرى في الجنوب في الليلة السابقة، معتبرا أن الحدث مهم ومرجئا التعليق الى وقت لاحق، وعلى الأرجح الى الخطبة السياسية التي سيلقيها في ذكرى عاشوراء.. ولكن أوساطا قريبة من الحزب رأت في الحادث الأمني حادثا مكررا لما جرى الشهر الماضي في مزارع شبعا، وأدى أيضا الى اشتباك إسرائيل «مع نفسها»، متحدثة في المرتين عن محاولة حزب الله استهداف جنود إسرائيليين انطلاقا من الأراضي اللبنانية. وهذا تعبير عملي عن واقع القلق ومستواه لدى الجيش الإسرائيلي.
الحوادث المتكررة على الحدود اللبنانية الإسرائيلية تخرق هدوءا عميقا ومستداما منذ العام 2006، وتشكل مؤشرا الى حالة احتقان وتوتر قابلة للاشتعال عند أول شرارة أو خطأ غير محسوب.. وإذا كان نشوب حرب بين إسرائيل وحزب الله أمرا مستبعدا لعدم رغبة الطرفين في ذلك وإدراكهما أن حربا جديدة لن تخدم مصلحتهما حاليا في ظل ظروف ضاغطة اقتصاديا وصحيا وسياسيا، فإن مثل هذه الحوادث، الغامضة في أسبابها والمثيرة للتساؤل في توقيتها، تجعل أن احتمال تطور الوضع نحو الأسوأ ومواجهات أوسع، يبقى احتمالا قائما في الفترة الحساسة الفاصلة عن الانتخابات الأميركية.